الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
200
تفسير روح البيان
أحسن وأقوى في الإفضاء إلى الايمان وتصديقه ولما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أراد تصديقه ومن لطائف الشيخ نجم الدين في تأويلاته أنه قال يشير إلى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة والحشر من الكفرة يتمنون رؤية ربهم بقولهم ( أَوْ نَرى رَبَّنا ) فالمؤمنون الذين يدعون انهم يؤمنون بالآخرة والحشر كيف ينكرون رؤية ربهم وقد ورد بها النصوص فلمنكرى الحشر عليهم فضيلة بأنهم طلبوا رؤية ربهم وجوزوها كما جوزوا إنزال الملائكة ولمنكري الرؤية ممن يدعى الايمان شركة مع منكري الحشر في جحد ما ورد به الخبر والنقل لان النقل كما ورد بكون الحشر ورد بكون الرؤية لأهل الايمان لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا اللام جواب قسم محذوف اى واللّه لقد استكبروا والاستكبار ان يشبع فيظهر من نفسه ما ليس له اى أظهروا الكبر باطلا فِي أَنْفُسِهِمْ اى في شأنها يعنى وضعوا لأنفسهم قدرا ومنزلة حيث أرادوا لأنفسهم الرسل من الملائكة ورؤية الرب تعالى وقال الكاشفي [ بخداى كه بزركى كردند در نفسهاى خود يعنى تعاظم ورزيدن وجراءت نمودن درين تحكم ] وَعَتَوْا اى تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان والعتو الغلو والنبو عن الطاعة عُتُوًّا كَبِيراً بالغا إلى أقصى غاياته من حيث عاينوا المعجزات القاهرة واعرضوا عنها واقترحوا لأنفسهم الخبيثة معاينة الملائكة الطيبة ورؤية اللّه تعالى التي لم ينلها أحد في الدنيا من افراد الأمم وآحاد الأنبياء غير نبينا عليه السلام وهو انما رآه تعالى بعد العبور عن حد الدنيا وهو الأفلاك السبعة التي هي من عالم الكون والفساد وفي الوسيط انما وصفوا بالعتو عند طلب الرؤية لأنهم طلبوها في الدنيا عنادا للحق واباء على اللّه ورسوله في طاعتهما فغلوا في القول والكفر غلوا شديدا وفي الأسئلة المقحمة فإذا كان رؤية اللّه جائزة فكيف وبخهم على سؤالهم لها قلنا التوبيخ بسبب انهم طلبوا ما لم يكن لهم طلبه لأنهم بعد ان عاينوا الدليل قد طلبوا دليلا آخر ومن طلب الدليل بعد الدليل فقد عتا عتوا ظاهرا ولأنهم كلفوا الايمان بالغيب فطلبوا رؤية اللّه وذلك خروج عن موجب الأمر وعن مقتضاه فان الايمان عند المعاينة لا يكون ايمانا بالغيب فلهذا وصفهم بالعتو يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ اى ملائكة العذاب فيكون المراد يوم القيامة ولم يقل يوم تنزل الملائكة إيذانا من أول الأمر بان رؤيتهم لينست على طريق الإجابة إلى ما اقترحوه بل على وجه آخر غير معهود ويوم منصوب على الظرفية بما يدل عليه قوله تعالى لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ لأنه في معنى لا يبشر يومئذ المجرمون لا بنفس بشرى لأنه مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله وكذا لا يجوز ان يعمل ما بعد لا فيما قبلها وأصل الجرم قطع الثمرة من الشجر واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه ووضع المجرمون موضع الضمير تسجيلا عليهم بالاجرام مع ما هم عليه من الكفر ويومئذ تكرير للتأكيد بين اللّه تعالى ان الذي طلبوه سيوجد ولكن يلقون منه ما يكرهون حيث لا بشرى لهم بل إنذار وتخويف وتعذيب بخلاف المؤمنين فان الملائكة تنزيل عليهم ويبشرونهم ويقولون لا تخافوا ولا تحزنوا . ومعنى الآية بالفارسية [ هيچ مژده نيست آن روز مر كافران أهل مكة را ] وَيَقُولُونَ اى الكفرة المجرمون عند مشاهدة الملائكة وهو معطوف على ما ذكر من الفعل المنفي حِجْراً مَحْجُوراً